عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
229
اللباب في علوم الكتاب
قال ابن عطيّة « 1 » ويحتمل أن يكون مصدرا كالقصاص ، أي أنّه إذا قصّ أثر القاتل قصصا ، قتل . ويحتمل أن يكون قوله : « فِي الْقِصاصِ حَياةٌ » أي فيما أقصّ عليكم من حكم القتل والقصاص . فصل في الردّ على احتجاج المعتزلة بالآية قالت المعتزلة : دلّت هذه الآية على أنّ القصاص سبب للحياة ؛ لقوله تعالى : « وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ » ، فدلّ ذلك على أنّه لو لم يشرع القصاص ، لكان ذلك سببا للموت قبل حلول وقته ، وكذلك كلّ ما نتج من الحيوان ، فإنّ هلاكه قبل أجله ؛ بدليل أنّه يجب على القاتل الضّمان والدّية . وأجيب بقوله تعالى : وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتاباً مُؤَجَّلًا [ آل عمران : 145 ] وقوله : فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ [ الأعراف : 34 ] إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ [ نوح : 4 ] لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ [ الرعد : 38 ] فمتى قتل العبد علمنا أنّ ذلك أجله « 2 » ، ولا يصحّ أن يقال : إنّه لو لم يقتل ، لعاش ؛ لما ذكرنا من الآيات . أمّا وجوب الضمان والدّية ، فللإقدام على القتل وللزجر عن الفعل . فصل في كون الآية في أعلى درجات البلاغة اتفق علماء البيان على أنّ هذه الآية في الإيجاز مع جميع المعاني باللّغة بالغة أعلى
--> ( 1 ) ينظر : المحر الوجيز 1 / 247 . ( 2 ) مختار أهل السنة : وجوب اعتقاد أن الأجل بحسب علم اللّه تعالى واحد لا تعدد فيه ، وأن كل مقتول ميت بسبب انقضاء عمره ، وعند حضور أجله في الوقت الذي علم اللّه في الأزل حصول موته فيه ؛ بإيجاده تعالى ، وخلقه من غير مدخلية للقاتل فيه لا مباشرة ولا تولّدا ، وأنه لو لم يقتل ، لجاز أن يموت في ذلك الوقت ، وألا يموت من غير قطع بامتداد العمر ، ولا بالموت بدل القتل ؛ بدليل أن اللّه تعالى قد حكم بآجال العباد على ما علم من غير تردّد ، وأنه إذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ، في آيات وأحاديث دالة على أن كلّ هالك يستوفى أجله من غير تقدّم عليه ولا تأخر عنه ، وحديث : إن بعض الطاعات يزيد في العمر لا يعارض القواطع ؛ لأنه خبر واحد ، وأن الزيادة فيه بحسب الخير والبركة ، أو بالنسبة إلى ما أثبتته الملائكة في صحفها ، فقد يثبت فيها الشيء مطلقا وهو في علم اللّه تعالى مقيّد ، ثم يؤول إلى موجب علمه سبحانه ، على ما يشير إليه قوله تعالى : « يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ » . فالمعتبر إنّما هو ما تعلّق العلم الأزلي ببلوغه ، هذا ما عليه أهل الحق ( وغير هذا ) من مذاهب المخالفين ؛ كمذهب الكعبي من المعتزلة : أنّ المقتول ليس بميّت ؛ لأن القتل فعل العبد ، والموت فعله تعالى وأثر صنيعه ، فالمقتول له أجلان : القتل ، والموت ، وأنه لو لم يقتل ، لعاش إلى أجله الذي هو الموت ؛ وكمذهب الكثير من المعتزلة : أن القاتل قطع على المقتول أجله ، وأنه لو لم يقتل ، لعاش إلى أمد هو أجله الذي علم اللّه موته فيه لولا القتل ، أو لمات في ذلك الوقت ( باطل ) أي : غير مطابق للواقع ؛ لمنافاته للقواطع التي لا تقبل التّأويل ، وكل باطل ( لا يقبل ) عند العقلاء المتمسّكين بالحق . ينظر : التعليقات على شارح الجوهرة ص 138 - 140 .